تُعدّ مشكلة التهاب القرنية من أكثر أمراض العين شيوعًا، ويمكن تخيّلها كأن عينك بحيرة هادئة تعكس العالم بصفاء، والقرنية هي السطح المائي الرقيق الذي يمنحها هذا النقاء، لكن حين يصيب هذا السطح التهاب أو تهيّج، تضطرب مياهه وتتعكّر، ويكون المشهد باهتًا غير صافي كالمعتاد.
لذلك، لا يجب التعامل مع هذه الحالة المرضية على أنها مجرد احمرار بسيط سوف تتخلص منه سريعًا، بل يحتاج إلى علاج دقيق وتشخيص سريع حتى لا يتطور الأمر وتتدهور حالة عينك، ودورنا الأساسي في هذا المقال هو توضيح كل ذلك لك.
ما هو التهاب قرنية العين؟
القرنية تعتبر المسؤولة عن وضوح الرؤية لنا جميعًا، وعندما تتعرض لمشاكل أو التهابات، سواء كان ذلك نتيجة الإصابة ببكتيريا وفيروسات، أو بسبب جرح مفاجئ، أو حتى تهيج مزمن غير معدٍ، فإنها تُصاب بضباب وغشاوة تجعل الرؤية صعبة وغير واضحة، والتأخر في علاجها يمكن أن يسبب الكثير من المشاكل الخطيرة للعين.
ذلك لأن التهاب القرنية لا يقتصر على مجرد تشويش الرؤية أو الإخلال بتركيز الصورة فحسب، بل يتسبب أيضًا في أعراض مؤلمة ومزعجة تمنع العين من أداء وظيفتها بشكل طبيعي، مثل ألم حارق ملحوظ، احمرار شديد، وحساسية مفرطة ومؤلمة للضوء.
هل التهاب القرنية معدي وما مدى خطورتها؟
الإجابة تعتمد على السبب، إذا كان التهاب القرنية ناتجًا عن عدوى (بكتيريا، فيروس، فطر، أو طفيل)، فالكائن المسبب للعدوى نفسه يمكن أن ينتقل إلى شخص آخر عبر الأيدي الملوثة أو مشاركة المناشف ومستحضرات تجميل العيون، ويكون الخطر هنا مرتفعًا.
أما إذا كان السبب غير معدي (كإصابة أو جفاف العين)، فهو ليس معديًا على الإطلاق، وهذا الأمر بديهي لأن عينيك غير مصابة بشيء ملموس يمكن أن ينتقل مثل الإنفلونزا، لذلك ستجد دائمًا أن هناك نوعين من التهاب القرنية “معدي – غير معدي” وهذا ما سنتعرف عليه سويًا في الفقرة التالية.
ما هي أنواع التهاب القرنية؟
ستجد دائمًا أن أنواع التهاب القرنية يتم تحديده بناءً على الأسباب، لذلك سوف نقوم بعرض الأسباب في الفقرة التالية مباشرة لتسهيل الأمر عليك في فهم كل شيء يتعلق بهذه الحالة المرضية الخطيرة.
ينقسم التهاب القرنية إلى نوعين رئيسيين حسب السبب المؤدي إليه، وهما: الالتهاب المعدي والالتهاب غير المعدي، ولكل منهما خصائص وأسباب مختلفة.
التهاب القرنية المعدي يتمثل في:
- التهاب القرنية البكتيري
- التهاب القرنية الفيروسي
- التهاب القرنية الفطري
- التهاب القرنية الطفيلي “الأخطر على الإطلاق”
التهاب القرنية غير المعدي يتمثل في:
- جفاف العين الشديد.
- خدش القرنية أو إصابتها عامة.
- التعرض المفرط للأشعة فوق البنفسجية.
- استخدام العدسات اللاصقة لفترات طويلة دون راحة.
التشخيص الدقيق للنوع هو أساس العلاج لأن كل نوع يتطلب طريقة علاج مختلفة لمحاربته والذهاب إلى الطبيب هو أول شيء يجب أن تفعله فور ملاحظة أي مشكلة في العين لأن أحد المضاعفات الخطيرة لالتهاب القرنية هي قرحة القرنية (Corneal Ulcer)، وهي جرح مفتوح على سطح القرنية يمكن أن يترك ندبة دائمة تؤثر على الرؤية.
ما هي أسباب التهاب قرنية العين؟
يمكن تقسيم أسباب هذه الحالة إلى مجموعتين رئيسيتين، تمامًا كطريقين مختلفين يؤديان إلى نفس الوجهة المزعجة:
1، الأسباب المعدية (Infectious Keratitis):
هنا يكون السبب هو مهاجمة كائنات دقيقة لقرنية العين، والتي تجد طريقها غالبًا عبر خدش صغير أو سوء استخدام للعدسات اللاصقة، وتشمل:
- التهاب القرنية البكتيري: هو الأكثر شيوعًا، خاصة بين مستخدمي العدسات اللاصقة، بكتيريا مثل الزائفة الزنجارية والمكورات العنقودية الذهبية يمكن أن تتكاثر بسرعة وتسبب ضررًا بالغًا.
- التهاب القرنية الفيروسي: فيروس الهربس البسيط (Herpes Simplex)، الذي يسبب تقرحات البرد، هو المذنب الرئيسي هنا، يمكن أن ينشط الفيروس ويهاجم القرنية، مسببًا التهابًا متكررًا.
- التهاب القرنية الفطري: يحدث غالبًا بعد إصابة العين بمادة نباتية (مثل غصن شجرة)، فطريات مثل الرشاشية والفيوزاريوم قد تكون خطيرة وتتطلب علاجًا مكثفًا.
- التهاب القرنية الطفيلي: يُعد طفيل الأكانثاميبا (Acanthamoeba) كابوسًا لمستخدمي العدسات اللاصقة، خاصة أولئك الذين يسبحون بها أو ينظفونها بماء الصنبور، هذا الكائن المجهري يعيش في الماء والتربة ويسبب عدوى شديدة ومؤلمة للغاية.
2، الأسباب غير المعدية (Non-infectious Keratitis):
هنا، لا يوجد كائن حي يهاجم العين، بل ينشأ الالتهاب نتيجة عوامل أخرى:
- الإصابات الطفيفة: خدش بسيط من ظفر أو دخول جسم غريب في العين.
- جفاف العين الشديد: عندما لا تنتج العين ما يكفي من الدموع، تصبح القرنية جافة وأكثر عرضة للالتهاب.
- الاستخدام المفرط للعدسات اللاصقة: ارتداء العدسات لفترات أطول من الموصى بها يحرم القرنية من الأكسجين ويجعلها ضعيفة.
- التعرض المفرط لأشعة الشمس (التهاب القرنية الضوئي): يشبه حروق الشمس ولكن في العين.
تعرف على: ما هي قرحة العين؟ وما أعراضها؟ وكيف يُمكن علاجها؟
ما هي أعراض التهاب القرنية؟
لا يتسلل التهاب القرنية بصمت، بل يعلن عن وجوده بمجموعة من الأعراض الواضحة التي يجب ألا تتجاهلها أبدًا:
- احمرار العين وألمها: ألم حاد ومستمر، قد تشعر وكأن هناك حبة رمل لا يمكنك إزالتها.
- إفرازات من العين: دموع غزيرة أو إفرازات صديدية (صفراء أو خضراء).
- حساسية الضوء (رهاب الضوء): يصبح الضوء الساطع، وحتى ضوء الغرفة العادي، مؤلمًا ولا يطاق.
- ضعف النظر: الرؤية تصبح ضبابية أو مشوشة، كأنك تنظر من خلال نافذة متسخة.
- صعوبة في فتح العين المصابة: قد تتمكن من فتح عين والأخرى لا تستطيع فتحها بسبب الالتهاب الشديد الذي تشعر به.
إذا واجهت هذه الأعراض، خاصة الألم الشديد وضعف الرؤية، فهذه إشارة حمراء تستدعي زيارة طبيب العيون فورًا.
كيف يمكن علاج التهاب قرنية العين؟
مع وصولك إلى هذا الجزء من مقالنا اليوم، ستكون قد تعرفت على حوالي 50% من مشكلة العين الشائعة “التهاب القرنية”، الآن حان وقت اكتشاف الطرق العلاجية التي يمكن أن تكون السبب في وضع حدًا لهذه المشكلة بعد التشخيص الدقيق الذي يقوم به الطبيب المختص.
بشكل عام، يتم تقسيم أنواع العلاج بناء على نوع الالتهاب نفسه، وما إذا كان معدي أو غير معدي، وفيما يلي سنوضح لك ذلك بالتفصيل.
علاج التهاب القرنية غير المعدي
- في الحالات الخفيفة التي يعاني فيها المريض من الجفاف أو الخدوش السطحية تكون الدموع الاصطناعية هي أفضل حل، والتي تتمثل في قطرات ذات تأثير معين يختلف عن باقي الأنواع.
- أما إذا كان التهاب خفيف في بدايته، فقد يصف الطبيب مضادات التهاب تعتبر علاجًا فعالًا بالنسبة للبعض.
- لا يمكن إهمال خطوة ضرورية في علاج التهاب القرنية غير المعدي وهي وضع ضمادة العين أو عدسة لاصقة واقية وذلك بهدف حماية القرنية والسماح لها بالشفاء.
علاج التهاب القرنية المعدي
هنا يتحول العلاج إلى صورة أكبر بكثير مما ذكرناها لك في الفقرة السابقة، حيث يكون الأمر معدي وبالتالي أسبابه خطيرة ويجب أن تتم معالجتها بطريقة سريعة:
- للبكتيريا: قطرات المضادات الحيوية المكثفة هي خط الدفاع الأول.
- للفيروسات: قطرات أو حبوب مضادة للفيروسات، خاصة في حالة فيروس الهربس.
- للفطريات: قطرات وحبوب مضادة للفطريات، وقد يستمر العلاج لأسابيع أو أشهر.
- للطفيليات: يتطلب علاجًا متخصصًا ومكثفًا بقطرات مطهرة خاصة، وهو من أصعب الأنواع علاجًا.
في الحالات الشديدة التي تترك ندوبًا عميقة، قد يكون الحل الوحيد لاستعادة البصر هو إجراء عملية زراعة القرنية.
كيفية الوقاية من التهاب قرنية العين؟
على الرغم من المضاعفات التي قد تحدث بسبب التهاب القرنية، هناك بعض النصائح الوقائية التي يمكنك اتباعها من أجل حماية عينيك من هذه المشكلة، وتتمثل فيما يلي:
- إذا كنت من الأشخاص الذين يرتدون عدسات لاصقة بشكل مستمر، حاول تنظيفها باستمرار من خلال استخدام المحلول المخصص فقط واتبع التعليمات التي يقترحها عليك طبيبك.
- لا تحاول إطلاقًا النوم بالعدسات اللاصقة، فقد يؤدي ذلك إلى مشاكل عديدة في العين.
- حاول دائمًا ارتداء نظارات واقية عند التعامل مع المواد الكيميائية أو عند القيام بأعمال قد تتطاير منها شظايا.
- إذا كنت تعاني من جفاف العين، استخدم الدموع الاصطناعية بانتظام.
تعرف إلى أسباب قرحة العين وأبرز أعراضها
الأسئلة الشائعة
هل يمكن الشفاء من التهاب القرنية؟
نعم، يمكن الشفاء التام من معظم حالات التهاب القرنية، خاصة إذا تم تشخيصها وعلاجها مبكرًا، الحالات المتأخرة أو الشديدة قد تترك ندبة (عتامة) تؤثر على الرؤية بشكل دائم.
هل التهاب القرنية معدي بين الأشخاص؟
الأنواع المعدية فقط هي التي يمكن أن تنتقل، الكائن المسبب للمرض يمكن أن ينتقل عبر التلامس المباشر، ولكن الإصابة بالتهاب القرنية تعتمد على وصول هذا الكائن إلى قرنية الشخص الآخر، الأنواع غير المعدية لا يمكن أن تقوم بذلك إطلاقًا.
هل يمكن أن يسبب التهاب القرنية فقدان البصر؟
نعم، للأسف، إذا لم يتم علاجه بشكل صحيح وفوري، يمكن أن يؤدي التهاب القرنية الشديد إلى مضاعفات خطيرة مثل قرحة القرنية العميقة، أو انثقاب القرنية، أو تندب شديد، وكلها يمكن أن تسبب ضعفًا حادًا في البصر أو حتى العمى في العين المصابة.







