يطرح الكثيرون سؤالًا مهمًا في عالم طب العيون: هل الاستجماتيزم يسبب الحول؟ والإجابة الدقيقة والمختصرة هي: لا، الاستجماتيزم لا يسبب الحول لكن هناك خيط رفيع يربط بين هاتين الحالتين يظهر عندما يكون الفرق في درجة الاستجماتيزم بين العينين كبير، هنا قد يحدث حولًا نتيجة تفاوت نسبة الرؤية عند الشخص المُصاب.
بسبب هذا الوضع تتأثر محاذاة العينين وتوازن الرؤية، مما قد يمهد الطريق لظهور الحول، خصوصًا لدى الأطفال، وفي مقالنا اليوم، سنوضح لك الأمر بطريقة أعمق لنكشف عن طبيعة هذه العلاقة وكيف يمكن التعامل معها.
مشكلة الاستجماتيزم: كيف تبدأ وما تأثيرها على العين؟
لنفهم القصة كاملة، قرنية العين السليمة عبارة عن سطح مستدير ومتجانس، هذا الشكل المثالي يسمح للضوء بالانكسار بشكل متساوٍ والتركيز في نقطة واحدة دقيقة على الشبكية في مؤخرة العين، مما ينتج عنه رؤية واضحة ونقية.
أما في حالة الاستجماتيزم (أو ما يعرف باللابؤرية)، فإن شكل القرنية (أو أحيانًا عدسة العين) لا يكون كرويًا تمامًا، بل أشبه بشكل البيضة، هذا يعني أن سطحها يمتلك انحناءين مختلفين، أحدهما أكثر تسطحًا والآخر أكثر تحدبًا.
هذا الاختلاف في محاور القرنية يجعل الضوء الداخل إلى العين ينكسر بشكل غير متساوٍ، وبدلًا من أن يتجمع في نقطة واحدة، يتجمع في نقطتين أو أكثر، وينتج عن ذلك، تشوش الرؤية على جميع المسافات، القريبة والبعيدة، يرى الشخص المصاب بالاستجماتيزم الخطوط المستقيمة وكأنها مائلة.
وقد يخلط بين الحروف المتشابهة مثل “ح” و “خ”، وتصبح الأضواء في الليل مشتتة أو محاطة بهالات، مما يسبب صداع العين وإرهاقًا مستمرًا.
هل الاستجماتيزم يسبب الحول؟
الاستجماتيزم بحد ذاته لا يسبب الحول بطريقة أساسية، فالحول هو مشكلة في محاذاة العينين، غالبًا ما تتعلق بعدم التناسق في عمل عضلات العين أو في الإشارات العصبية التي يرسلها الدماغ إليها، بينما الاستجماتيزم هو خطأ انكساري يتعلق بشكل القرنية.
إذًا، أين يكمن الرابط؟
الرابط يظهر في سيناريو محدد، وهو شائع جدًا عند الأطفال الذين لم يتم فحص نظرهم بعد.
متى يظهر الحول بسبب الاستجماتيزم؟
لا يسبب الاستجماتيزم الشديد وغير المتكافئ الحول بشكل مباشر، بل يكون بمثابة عامل مُحفِّز لسلسلة من التطورات التي تنتهي بانحراف العين، أي ضعف النظر في عين واحدة، ثم كسلها، ثم انحرافها.
- فارق كبير في الرؤية: عندما تكون درجة الاستجماتيزم في عين واحدة أعلى بكثير من العين الأخرى (حالة تعرف طبيًا بـ Anisometropia)، فإن إحدى العينين ترسل صورة واضحة (أو شبه واضحة) إلى الدماغ، بينما ترسل العين الأخرى صورة مشوشة للغاية.
- التفضيل الدماغي: دماغ الإنسان، وخصوصًا في مرحلة الطفولة، ذكي ويسعى دائمًا للكفاءة، عندما يستقبل صورتين إحداهما واضحة والأخرى رديئة، يبدأ تدريجيًا في تجاهل الصورة الرديئة والاعتماد كليًا على الصورة القادمة من العين السليمة.
- كسل العين: مع مرور الوقت، يؤدي هذا التجاهل المستمر إلى حالة “كسل العين” أو الغمش (Amblyopia)، تصبح العين ذات الرؤية المشوشة أضعف ليس بسبب مشكلة عضوية فيها، بل لأن الدماغ توقف عن معالجة إشاراتها بفاعلية.
- ظهور الحول: عندما تتوقف العين عن المشاركة الفعالة في عملية الإبصار، قد يفقد الدماغ السيطرة الدقيقة على محاذاتها، مما يؤدي إلى انحرافها للداخل، أو للخارج، أو لأعلى، أو لأسفل، وهذا هو الحول.
الفرق بين الاستجماتيزم وانحراف القرنية
من الشائع الخلط بين المصطلحين، لكن الفرق بسيط وواضح:
- انحراف القرنية: هو الوصف المادي للحالة، يعني أن شكل القرنية غير منتظم أو غير كروي، هو السبب.
- الاستجماتيزم: هو النتيجة البصرية لهذا الانحراف، هو الخطأ الانكساري الذي يسبب تشوش الرؤية، هو التأثير.
يمكننا القول إن “انحراف القرنية” هو المشكلة التشريحية، و”الاستجماتيزم” هو اسم اضطراب الإبصار الناتج عنها.
اكتشف: ما هو الاستجماتيزم؟
أعراض الاستجماتيزم وعلاقتها بظهور الحول
إذا لاحظت على نفسك أو على طفلك الأعراض التالية، فقد تكون مؤشرًا على أنه مصاب باستجماتيزم ويتطلب الأمر فحصًا سريعًا:
- رؤية ضبابية.
- صداع متكرر، خاصة بعد القراءة أو استخدام الأجهزة الرقمية.
- الحاجة إلى التحديق أو إغماض العينين جزئيًا للرؤية بوضوح.
- إرهاق وشعور بثقل في العين.
- صعوبة في الرؤية الليلية.
- عند الأطفال، قد تلاحظ أيضًا أنه يميل رأسه بشكل غريب أو يغطي إحدى عينيه عند التركيز.
كل هذه الأعراض تعتبر محاولات من الجسم للتعويض عن الرؤية السيئة، وبالتالي إذا استمرت في الظهور دون علاج، فإنها تزيد من خطر تطور كسل العين الذي قد يؤدي إلى الحول.
أسباب الاستجماتيزم وهل يمكن أن تؤدي إلى الحول؟
غالبًا ما تكون حالة الاستجماتيزم متواجدة معنا منذ الولادة، فالسبب الأكثر شيوعًا هو ببساطة الوراثة؛ حيث يرث الشخص شكل القرنية غير الكروي من أحد أفراد عائلته، لكنه ليس السبب الوحيد، ففي بعض الحالات، قد يظهر الاستجماتيزم لاحقًا في الحياة نتيجة:
- إصابة مباشرة في العين.
- أثر جانبي لبعض جراحات العيون.
- حالات مرضية معينة تؤثر على شكل القرنية مثل “القرنية المخروطية”.
لكن هنا يأتي السؤال الأهم: بغض النظر عن المسبب، هل يمكن لهذه الأسباب أن تؤدي مباشرةً إلى الحول؟ الإجابة الدقيقة هي أن السبب بحد ذاته (سواء كان وراثيًا أو مكتسبًا) لا يؤدي إلى الحول، بل الخطر الحقيقي يكمن في “تأثير” الاستجماتيزم على الرؤية.
كيف يشخص الطبيب الاستجماتيزم ويميزه عن الحول؟
لا يمكن الاعتماد على الأعراض وحدها، بل يجب إجراء فحص عين شامل لدى طبيب العيون، والذي يتضمن:
- فحص حدة الإبصار: باستخدام لوحة الحروف المعروفة.
- فحص الانكسار الآلي (Autorefractor): جهاز يقيس بشكل أولي كيفية تركيز الضوء داخل العين.
- منظار القرنية (Keratometer): جهاز يقيس انحناء سطح القرنية بدقة لتحديد وجود ومقدار الاستجماتيزم.
- فحص المصباح الشقي: لفحص أجزاء العين الأمامية بالتفصيل.
- اختبار التغطية (Cover Test): وهو اختبار بسيط وفعال جدًا لتشخيص الحول، حيث يراقب الطبيب حركة كل عين عند تغطية الأخرى.
من خلال هذه الفحوصات، يستطيع الطبيب تحديد درجة الاستجماتيزم بدقة، والتأكد من عدم وجود حول.
علاج الاستجماتيزم وتصحيح الرؤية لتجنب الحول
بعد معرفة إجابة سؤالك عن: هل الاستجماتيزم يسبب الحول؟ لدينا خبر جيد لك، وهو أن تصحيح النظر الناتج عن الاستجماتيزم فعال جدًا، وهو الخطوة الأولى والأساسية لمنع تطور الحول المرتبط به.
تشمل خيارات العلاج ما يلي:
- النظارات الطبية: هي الحل الأكثر شيوعًا وأمانًا، تحتوي عدساتها على تصحيح خاص (أسطواني) يعوض الانحناء غير المنتظم للقرنية ويعيد تجميع الضوء في نقطة واحدة واضحة.
- العدسات اللاصقة: توفر العدسات اللاصقة اللينة من نوع “توريك” (Toric) أو العدسات الصلبة تصحيحًا ممتازًا للاستجماتيزم.
- عملية تصحيح الاستجماتيزم: عمليات الليزر مثل الليزك (LASIK) أو (PRK) تعمل على إعادة تشكيل سطح القرنية بالليزر لتصحيح انحنائها بشكل دائم.
عندما يتم تصحيح الرؤية مبكرًا، خصوصًا عند الأطفال، فإن الدماغ يستقبل صورة واضحة من كلتا العينين، وهذا يقطع الطريق على تطور كسل العين، ويشكل أفضل علاج للحول الناتج عن ضعف النظر، أو بالأحرى، أفضل وسيلة للوقاية منه.
تعرف على: كيف يمكن علاج الاستجماتيزم العالي؟
أسئلة شائعة
هل الاستجماتيزم هو الحول؟
لا، هما حالتان مختلفتان تمامًا، الاستجماتيزم هو خطأ في تركيز الضوء (مشكلة بصرية)، بينما الحول هو خلل في محاذاة العينين (مشكلة عضلية/عصبية).
هل يمكن علاج الاستجماتيزم؟
يمكن تصحيحه بشكل كامل وفعال، كلمة “علاج” قد توحي بالشفاء التام، لكن الأدق هو “تصحيح”، يمكن تصحيح تأثيره على الرؤية بنسبة كبيرة باستخدام النظارات، العدسات اللاصقة، أو جراحات الليزر.
هل الحول مرتبط بالاستجماتيزم؟
نعم، يمكن أن يكونا مرتبطين بشكل غير مباشر، الاستجماتيزم المرتفع وغير المتساوي بين العينين هو أحد عوامل الخطر الرئيسية التي قد تؤدي إلى كسل العين، والذي بدوره قد يسبب ظهور الحول عند الأطفال، وفي حالات نادرة الحول عند الكبار إذا تم إهماله لفترة طويلة.







