يُعد داء السكري وباءً عالميًا صامتًا، وأخطر ما فيه هو تأثيره التراكمي على الأوعية الدموية الدقيقة (Microangiopathy)، عندما نتحدث عن العين، فإننا نتحدث عن علاج اعتلال الشبكية السكري، الذي تطور بشكل مذهل خلال السنوات الماضية، كنا في السابق نقف عاجزين أمام حالات الوذمة البقعية (DME) ونلجأ لليزر الحارق الذي قد يترك آثارًا جانبية، أما اليوم، فبفضل حقن الشبكية لمرضى السكري، أصبحنا قادرين على تثبيت النظر وتحسينه بشكل ملحوظ.
لماذا يحتاج مرضى السكري إلى حقن الشبكية؟
لفهم الضرورة الملحة للحقن، يجب أن نفهم الآلية المرضية (Pathophysiology) بعمق، ارتفاع مستويات الجلوكوز في الدم بشكل مزمن يؤدي إلى تلف الجدار الداخلي للشعيرات الدموية في الشبكية، مما يسبب انهيار “الحاجز الدموي الشبكي” (Blood-Retina Barrier).
نتيجة لهذا التلف، تعاني الشبكية من نقص التروية (Ischemia)، وكرد فعل دفاعي -ولكنه مدمر- تفرز الشبكية بروتينات معينة، أبرزها “عامل نمو بطانة الأوعية الدموية” (VEGF)، هذا البروتين هو المسؤول الأول عن مشكلتين رئيسيتين:
- الارتشاح (Leakage): زيادة نفاذية الأوعية الدموية مما يؤدي إلى تجمع السوائل في مركز الإبصار (الماقولة)، وهو ما نسميه الوذمة البقعية السكرية.
- نمو أوعية دموية غير طبيعية (Neovascularization): وهي أوعية هشة تنزف بسهولة داخل الجسم الزجاجي وتسبب تليف الشبكية.
هنا يأتي دور حقن الشبكية لمرضى السكري، حيث تحتوي هذه الحقن على مواد مضادة لهذا العامل (Anti-VEGF) مثل (Ranibizumab, Aflibercept, Faricimab) أو الكورتيكوستيرويدات، لتعمل كـ “مكابح” قوية توقف هذا التسريب وتجفف الارتشاح.
أنواع اعتلال الشبكية السكري
تصنيف المريض بدقة هو نصف العلاج، نحن لا نعالج جميع المرضى بنفس الطريقة، بل يعتمد الأمر على مرحلة المرض:
- اعتلال الشبكية السكري غير التكاثري (NPDR): هي المرحلة المبكرة والمتوسطة، نرى فيها نزيفًا نقطيًا وتمددات وعائية دقيقة، في هذه المرحلة، قد لا يحتاج المريض للحقن إلا إذا تطورت مضاعفات السكري على العين ستؤدي إلى حدوث ارتشاح مركز الابصار (DME).
- اعتلال الشبكية السكري التكاثري (PDR): المرحلة الأخطر، حيث تبدأ الأوعية الدموية العشوائية بالنمو، الحقن هنا ضروري جدًا لتقليص هذه الأوعية ومنع النزيف الزجاجي (Vitreous Hemorrhage) أو انفصال الشبكية الشدي.
- الوذمة البقعية السكرية: هذا هو السبب الأكثر شيوعًا لفقدان البصر المركزي، ويمكن أن يحدث في أي مرحلة من مراحل الاعتلال، هنا تكون حقن العين للسكري هي الحل الأمثل لاستعادة سماكة الشبكية الطبيعية.
فوائد حقن العين لمرضى السكري
حقن العين لمرضى السكري ينعكس عليك بكثير من الفوائد المختلفة، لعل من أبرزها ما يلي:
- تحسين الرؤية بعد الحقن: خلافًا لليزر القديم الذي كان يهدف فقط لمنع التدهور، فإن الحقن (خاصة الجيل الجديد منها) أثبتت قدرتها على تحسين حدة الإبصار بمعدل عدة أسطر على لوحة العلامات، بشرط البدء المبكر في العلاج.
- تجفيف الارتشاح: نلاحظ في صور الأشعة المقطعية (OCT) انخفاضًا دراماتيكيًا في سماكة الشبكية وعودة شكلها التشريحي (Anatomical Restoration) لوضعه الطبيعي بعد الحقن المتكرر.
- منع تفاقم المرض: الحقن المنتظم يحول دون تحول المرض من النوع غير التكاثري إلى التكاثري، مما يجنب المريض الحاجة لعمليات جراحية معقدة مثل قص السائل الزجاجي.
متى يحتاج مرضى السكري إلى حقن العين؟
ليس كل مريض سكري يحتاج للحقن فورًا، القرار الطبي دقيق جدًا ويعتمد على معايير صارمة:
- وجود وذمة بقعية مؤثرة على المركز (Center-Involved DME): إذا أظهر تصوير الـ OCT وجود سوائل في الـ 1 ملم المركزي من الشبكية مع تأثر حدة الإبصار، فالحقن هو العلاج الأول.
- اعتلال الشبكية التكاثري عالي الخطورة: وجود أوعية دموية جديدة نشطة، خاصة إذا كان هناك نزيف سابق.
- التحضير للعمليات الجراحية: أحيانًا نقوم بحقن العين قبل أسبوع من جراحة إزالة الساد (المياه البيضاء) أو قص السائل الزجاجي لتقليل النزيف أثناء العملية.
ماذا عن تكلفة حقن الشبكية لمرضى السكري؟
من المهم توضيح أن تكلفة حقن الشبكية تتفاوت بناءً على نوع المادة المحقونة (Avastin, Lucentis, Eylea, Vabysmo)، ويتم اختيار الدواء الأنسب بناءً على حالة المريض المادية والتأمين الصحي، مع العلم أن الفعالية متقاربة جدًا في كثير من الحالات، وإن كانت الأدوية الأحدث (مثل Faricimab) تتيح فترات أطول بين الجرعات.
خطوات حقن الشبكية لمرضى السكري
كثير من المرضى يصيبهم الذعر عند سماع كلمة “حقنة في العين”، دور أي طبيب هنا هو تبديد هذا الخوف بشرح العملية التي لا تستغرق فعليًا سوى ثوانٍ معدودة وتتم بمنتهى الدقة والتعقيم:
- التعقيم والتخدير: نبدأ بوضع قطرات مخدرة قوية، ثم تعقيم الجفون والعين بمادة البيتادين المخفف (وهي الخطوة الأهم لمنع العدوى).
- تثبيت العين: نستخدم أداة دقيقة (Speculum) لإبقاء العين مفتوحة دون ألم.
- الحقن: يتم الحقن بإبرة رفيعة جدًا (أرق من شعرة الإنسان) في منطقة آمنة تسمى (Pars Plana)، تبعد حوالي 3.5 إلى 4 ملم عن قرنية العين، لتجنب لمس العدسة أو الشبكية.
- ما بعد الحقن: يتم غسل العين وتعقيمها مرة أخرى، المريض عادة لا يشعر بالألم، بل بضغط بسيط جدًا لثانية واحدة.
كم عدد الجلسات التي تحتاجها؟
عدد جلسات حقن الشبكية يختلف من مريض لآخر، نتبع حاليًا بروتوكول “العلاج والتمديد” (Treat and Extend)، حيث نبدأ بحقن شهرية حتى تجف الشبكية تمامًا، ثم نبدأ بزيادة الفترة بين الحقن تدريجيًا (كل 6 أسابيع، ثم 8، وهكذا) للحفاظ على النتيجة بأقل عدد ممكن من الحقن.
التعليمات والنصائح بعد حقن العين لمرضى السكري
لضمان أفضل النتائج وتجنب المضاعفات، هناك نصائح بعد حقن العين يجب الالتزام بها بصرامة:
- تجنب فرك العين: هذا أهم تحذير، لأن العين تكون مخدرة وقد تخدش القرنية دون أن تشعر، كما أن الفرك يزيد خطر دخول البكتيريا.
- الانتباه للأعراض الحمراء: من الطبيعي وجود احمرار مكان الحقنة (نزيف تحت الملتحمة) في العين ليوم واحد، لكن، إذا شعرت بألم شديد، انخفاض مفاجئ في الرؤية، أو تحسس شديد من الضوء بعد 24-48 ساعة، يجب التوجه للطبيب فورًا (لاستبعاد التهاب باطن العين Endophthalmitis).
- استخدام القطرات: يجب الالتزام بقطرات المضاد الحيوي والمرطبات كما وصفها الطبيب.
- السيطرة على السكر والضغط: الحقن يعالج النتيجة (الارتشاح) وليس السبب (السكري)، بدون ضبط السكر التراكمي (HbA1c) وضغط الدم، ستعود السوائل للتجمع وسنحتاج للمزيد والمزيد من الحقن.
تعرف على: ما هي أسباب انتفاخ تحت العين؟ وكيف يمكن علاجها؟
الأسئلة الشائعة
ما هو اعتلال الشبكية السكري؟
هو تلف تدريجي يصيب الأوعية الدموية المغذية لشبكية العين نتيجة ارتفاع السكر المزمن، يتراوح من تسريبات بسيطة للدم والبروتينات (مراحل مبكرة) إلى انسداد الأوعية ونمو أوعية شاذة تسبب تليفًا ونزيفًا (مراحل متقدمة)، مما يهدد الرؤية بشكل مباشر.
ما أعراض اعتلال الشبكية لدى مرضى السكري؟
في البداية، قد لا توجد أعراض (وهنا تكمن الخطورة)، مع تطور الحالة، يلاحظ المريض: رؤية ضبابية أو متموجة، بقع سوداء عائمة (الذبابة الطائرة) وبكثرة مفاجئة، صعوبة في تمييز الألوان، وفراغات مظلمة في مجال الرؤية، وجود هذه الأعراض يعني ضرورة الفحص الفوري لقاع العين.
هل حقن الشبكية مؤلم؟
بصراحة ومهنية، الحقن ليس مؤلمًا بالمعنى التقليدي، بفضل التخدير الموضعي (قطرات أو جل)، لا يشعر المريض بوخز الإبرة، الشعور الوحيد هو “ضغط” بسيط جدًا يستمر لثانية واحدة لحظة دخول الدواء، وكثير من المرضى يتفاجؤون بانتهاء الإجراء دون أن يدركوا.
كم عدد الجلسات المطلوبة لمرضى السكري؟
يعتمد الأمر على استجابة العين للدواء (التي نقيسها بجهاز OCT)، في السنة الأولى، قد يحتاج المريض ما بين 5 إلى 8 حقن في المتوسط، الهدف هو الوصول لحالة “استقرار” حيث تكون الشبكية جافة، وبعدها نباعد بين الفترات، الصبر والالتزام بالمواعيد هما مفتاح النجاح في هذه الرحلة العلاجية.







